مقالة ابن القيم في مسألة تحريف التوراة

By Omar Khwaldeh

وقال ابنُ القَيِّمِ: (قد اختلفت أقوالُ النَّاسِ في التوراةِ التي بأيديهم: هل هي مُبَدَّلةٌ؟ أم التبديلُ والتحريفُ وقعَ في التأويلِ دونَ التنزيلِ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ: طَرَفَينِ ووَسَطٍ.
فأفرَطَت طائفةٌ وزعمت أنَّها كلَّها أو أكثَرَها مُبدلَّةٌ مُغيَّرةٌ، ليست التوراةُ التي أنزلها اللهُ تعالى على موسى عليه السَّلامُ، وتعرَّض هؤلاء لتناقُضِها وتكذيبِ بَعضِها لبَعضٍ.
وغَلا بعضُهم، فجوَّز الاستِجمارَ بها من البَولِ.
وقابلهم طائفةٌ أخرى من أئمَّةِ الحديثِ والفِقهِ والكَلامِ، فقالوا: بل التبديلُ وقع في التأويلِ، لا في التنزيلِ، وهذا مذهَبُ أبي عبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ إسماعيلَ البُخاريِّ ... وسمعتُ شَيخَنا يقولُ: وقع النزاعُ في هذه المسألةِ بين بعضِ الفُضَلاءِ، فاختار هذا المذهَبَ، ووهَّن غَيرَه، فأُنكِرَ عليه، فأحضَرَ لهم خمسةَ عَشَرَ نَقلًا به.
ومن حُجَّةِ هؤلاء: أنَّ التوراةَ قد طَبَّقت مشارِقَ الأرضِ ومغاربَها، وانتشرت جنوبًا وشمالًا، ولا يَعلَمُ عَدَدَ نُسَخِها إلَّا اللهُ تعالى، ومن الممتَنِعِ أن يقَعَ التواطؤُ على التبديلِ والتغييرِ في جميعِ تلك النُّسَخِ، بحيث لا يبقى في الأرضِ نُسخةٌ إلَّا مُبدَّلةً مُغَيَّرةً، والتغييُر على منهاجٍ واحدٍ، وهذا مما يُحيلُه العَقلُ ويَشهَدُ ببُطلانِه.
قالوا: وقد قال اللهُ تعالى لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُحتجًّا على اليهودِ بها: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 93] .
قالوا: وقد اتَّفَقوا على تَرْكِ فريضةِ الرَّجمِ، ولم يمكِنْهم تغييرُها من التوراةِ؛ ولهذا لَمَّا قَرَؤوها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وضع القارئُ يَدَه على آيةِ الرَّجمِ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفَعْ يَدَك عن آيةِ الرَّجمِ، فرَفَعَها، فإذا هي تلوحُ تحتَها ، فلو كانوا قد بدَّلوا ألفاظَ التوراةِ لكان هذا من أهمِّ ما يُبَدِّلونَه.
قالوا: وكذلك صِفاتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَخْرجُه هو في التوراةِ بَيِّنٌ جدًّا، ولم يمكِنْهم إزالتُه وتغييرُه، وإنما ذمَّهم اللهُ تعالى بكِتمانِه، وكانوا إذا احتُجَّ عليهم بما في التوراةِ مِن نَعْتِه وصِفَتِه يقولون: ليس هو، ونحن ننتَظِرُه
قالوا: وقد قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 115] ، والتوراةُ مِن كَلِماتِه.
قالوا: والآثارُ التي في كتمانِ اليهودِ صِفةَ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التوراةِ، ومَنْعِهم أولادَهُم وعوامَّهم من الاطلاعِ عليها: مشهورةٌ، ومن اطَّلع عليها منهم قالوا له: ليس به.
فهذا بعضُ ما احتجَّتْ به هذه الفِرقةُ.
وتوسَّطت طائفةٌ ثالثةٌ، وقالوا: قد زِيدَ فيها، وغُيِّرَ ألفاظٌ يسيرةٌ، ولكنَّ أكثَرَها باقٍ على ما أُنزل عليه، والتبديلُ في يسيرٍ منها جدًّا. وممن اختار هذا القولَ: شيخُنا في كِتابِه «الجوابُ الصَّحيحُ لِمن بَدَّل دينَ المسيحِ»
Read on TheoSumma — join the discussion.